| "ما لا يعلمه العلمانيون "التوانسة |
"ما لا يعلمه العلمانيون "التوانسة أقرأ كثيرا عن العلمانيين التونسيين بأصنافهم: الذين يجاهرون ويعتزون بعلمانيتهم، والذين يخفونها ويتسترون بحجاب من الوطنية، والذين يجهلون معنى العلمانية وهم عمَلِياًّ علمانيون. والمشكلة في تونس أن عشرات السنين من علمانية النظام الرسمي حفرت في أذهان التونسيين أفكارا وردية عن العلمانية الغربية، وأفكارا أخرى مخيفة عن الإسلام، ومفاهيمَ مخالفةً تماما لقيمه وحقائقه الصافية الراقية. ما يجهله كثير من العلمانيين التونسيين أنهم أبعد ما يكونون عن فهم نصوص الإسلام ومقاصده الشرعية، وما يظنه العلمانيون التونسيون وخاصة المتحزبون منهم، وهم مخطئون حتما، أن الخطاب الديني هو ذاك الذي يسمعونه من النهضويين. ما يظنه العلمانيون التونسيون أيضا أن الإسلام بشموليته لا يختلف عن غيره من الأديان التي جرفتها العلمانية منذ زمن، واقتلعت أظفارها، وعزلتها في الأديرة والكنائس. لذلك ولغير ذلك..، نسمع في عصر الثورة أصواتا ترتفع بالتحذير من التيار الإسلامي، وتذكر بحدود الرجعية، وتدعو إلى تقديس مكاسب المرأة في سنوات الانفراد العلماني. فهل تريد هذه الأصوات أن تُبقي على الأغطية والحجب التي طمس بها نظام الحزب البائد أعيُنَهم عن الحقيقة. ليعلمِ العلمانيون من ألطفهم إلى أعنفهم أن الإسلام كالشمس يُشِعُّ على الكون متى ما تنقشع السحب، ويلِج نورُه إلى البيوت والغرف، ويجتذب الأجسام الباردة ليملأها حرارة وإيمانا، ويكشف الطريق من بعد ظلمة الليل البهيم للحائرين والتائهين. ولن يكون أمام العلمانيين في قريب أيامهم إلا أن يقفوا أحد موقفين: إما الإيمان والاتكال على خالق الموت والحياة ومدبر الأكوان والعمل بأوامره سبحانه، أو رفض العقيدة والشريعة الإسلامية في آن معا وإبداء المفارقة لدين الشعب التونسي. أدعو الطائفة العظيمة من العلمانيين التوانسة إلى طي كتب العلمانية الغربية وفتحِ أعيُنهم على واقع البلاد العربية اليوم وإلى حسن قراءة الثورات المتتالية فيها، والتي انطلقت من تونس ومن مناطقها الظليلة بالذات. فالمستفيدون من هذه الثورات في المقام الأول هم من تدعونهم الإسلاميون ثم الفقراء ثم الصادقون من كل الفئات، والفائدة الأولى التي جناها الملايين في البلاد العربية هي الحرية بمعناها الديني لا بعناها العلماني، تلك الحرية التي تفتح الأذهان وتنير الأفكار وتكشف حقائق الأمور دون خوف من طمس. أقول للعلمانيين رواد التبعية للغرب أن مفاهيم العلمانية ومكتسباتها الفكرية لا تصمد أمام الفكر الإسلامي المتجدد، وأنه قد آن الأوان لتسمعوا عن ضعف منظومات الغرب الفكرية وكذبها ما لم تسمعوه من قبل. ولا تظنوا أننا في تونس عاجزون عن الإبداع السياسي والثقافي الإسلامي السليم. فمبتكرات الغرب "المعجِزة" من ديموقراطية وحداثة وعقلانية ومدنية وحرية وحقوق إنسان، و... تكتسي بعد عرضها على ميزان الإسلام معاني ومفاهيم أخرى غير التي يضفيها الفكر الغربي، مفاهيم أخرى هادئة وواقعية ومفيدة ومقنعة وصادقة، مفاهيم متوافقة تماما مع التراث الإسلامي الذي ضللتم تصرعونه طيلة سنوات التطعيم العلماني "البورقيبي ثم الزِّيني". ليفهم العلمانيون التونسيون، سياسيون كانوا أو حقوقيون أو أشباه فلاسفة، أن تمام الحرية التي تريح أعصابهم وأذهانهم هي تلك التي تسوقهم إلى العلوم الصحيحة الثابتة سواء كانت رياضية منطقية، أو لغوية أصيلة، أو تاريخية موثقة، أو دينية منصوصة ودلالية. وحتى لا تفْرِق قلوب العلمانيين السياسيين التوانسة بالذات أقول إن قيادة النهضة السياسية لن تكون صمام أمان لمشاريعكم الفكرية والثقافية، ولن تكون مرتكزا لحكم استبدادي جديد، فلن تصوغوا دستورا محجّرا للفكر، ساداًّ لأبواب الاجتهاد أو مانعا لدعوة الحق. وإننا نظنكم حفظتم الدرس، فالمنع والحجر على الحريات لم يعد مقبولا، خاصة أمام أنوار العقل المتنبه لآيات الحق سبحانه. وأخبركم بأننا لن نسلِّم لكم بأمر حتى تسلموا لنا ولشعب تونس بأمرين هما القرآن والسنة الصحيحة، فإن خالف ما تطلبون هذين الأصلين فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولكم علينا ألا نطالبكم إلا بما يتحمله العلم والمنطق، فلا وقت لدينا لنضيعه في المهاترات الفارغة واللهث وراء الفزاعات الفكرية والقانونية الدولية. أيها العلمانيون إن أردتم ونحن نتمنى ذلك، التزمنا وإياكم بعدم مهاجمة أحدنا الآخر، بل يعرض كل منا بضاعته على الشعب الحر، وإذا سعى أحدنا إلى الآخر فبالحسنى، وإن أبيتم فلسنا نخشاكم لشيء أو على شيء وما عند الله خير وأبقى، وإنما أنتم الذين تخشون على المناصب والأموال، فاختاروا، وسوف نقرأ أجوبتكم في مقالاتكم وتصريحاتكم. وإلى لقاء آخر. لبيب الفاهم |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق